من فضلك انتا لست مسجلا لدينا
اذا كنت زائرا تشرفنا تسجيلك فى منتدى الفراعنة
واذا كنت عضوا من فضلك قوم بالدخول



 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأميرة الحسناء
نائب المدير
نائب المدير


مزاجي :

عدد المساهمات : 730
تاريخ التسجيل : 24/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: تفسير   الأحد مايو 09, 2010 11:41 pm


تفسير بعض الكلمات والمصطلحات:

أوّلا ـ تعريف مصطلحات البحث:

أ ـ أوامر اللّه ونواهيه:

مِنْ أوامر اللّه ونواهيه ما تظهر آثار مخالفتها في الحياة الدنيا فحسب ولا تتعدّاها إلى الحياة الاخرة، مثل ما ورد في قوله تعالى:

(كُلُوا وَاشرَبُوا وَلا تُسرِفُوا) (الاعراف 31).

والاسراف تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الانسان، مثل تجاوزه الحدّ في تناول الطّيِّبات من المأكول والمشروب، ويرى الانسان أثر مخالفته لهذا النّوع من أوامر اللّه ونواهيه في الحياة الدنيا ولا يتعدّاها إلى الاخرة، ويُسمَّيان أمرا إرشاديا ونهيا إرشاديّا.

ومنها ما يوجب فعل المأمور به ويحرم تركه ويحرم فعل المنهيِّ عنه، وهذان تمتد آثار مخالفتهما على الانسان إلى يوم القيامة وتُسبِّب له العذاب، ويُسَمَّيان بالامر والنهي المولويَّين مثل:

ب ـ تَرْك الاولى:

في ما يصدر من الانسان من عمل ما يكون فعل خِلافه وضدّه أفضل، مثل الموردين الاتيين من أفعال أنبياء اللّه تعالى المذكورة في القرآن الكريم:

ج ـ المعصية:

عصى أمره يعصيه عصيانا ومعصيةً: خرج من طاعته ولم يُنَفِّذ أمره، فهو عاصٍ وعصيُّ.

ولفظ (الامر) قد يأتي في الكلام بعد ذكر مشتقّات المعصية، مثل ما جاء:

أ ـ سوره الكهف في حكاية قول موسى لمن أراد أن يصحبه:

(سَتَجِدُني إِنْ شاء اللّهُ صابِرا وَلا أَعصِي لَكَ أَمرا) (الاية 69).

ب ـ في وصف الملائكة الموكَّلين بالنّار في سورة التحريم:

(عَلَيها مَلائِكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصونَ اللّهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعلونَ ما يُؤمَرون) (الاية 6).

ولا يأتي لفظ الامر في الكلام ـ غالبا ـ بوضوح المعنى مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَعَصى آدَمُ رَّبَّهُ) (الاية 121).

وأحيانا لا يذكر من عصى أمره مثل قوله تعالى في ما جاء عن خبر فرعون في سورة النازعات: (فَكَذَّبَ وَعصى) (الاية 2).

د ـ الذنب:

إنّ حقيقة الذنب هو تبعة كلّ عمل يصيب الانسان في المستقبل، وقد تخصّ هذه التبعة بعض الاعمال في الدنيا، وترد على الانسان ممّن يقدرون على الاضرار بالانسان، كما جاء في حكاية قول موسى (ع) في مناجاة ربّه في سورة الشعراء:

(وَإذ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أنِ ائتِ القومَ الظَّالمِينَ* قَومَ فِرعَونَ أَلاَ يتَّقُون* قَالَ رَبِّ إِنّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُون* وَيضِيقُ صَدرِي وَلاَيَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرسِل إلَى هَارُونَ* وَلَهُم عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يُقتَلُون* قَالَ كَلا فَاذهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُستَمِعُون) (الايات 10 ـ 15).

فإنَّ فعل موسى كان قتله القبطي الّذي جاء خبره في الايات من سورة القصص:

(وَدَخَلَ المَدِينةَ عَلى حِينِ غَفَلةٍ مِن أَهلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقتَتِلاَنِ هذا مِن شيعَتِهِ وَهذا مِن عَدُوِّه فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ على الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضَى عَلَيهِ قَالَ هذا مِن عَمَل الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلٌ مُبِين* قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفسي فَاغفِر لي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ* قَالَ رَبّي بِمَا أَنعَمتَ عَلَيَّ فَلَن أَكُونَ ظَهِيرا لِلمُجرِمِين* فَأَصبَحَ في المَدِينَةِ خَائِفا يَتَرَقَبُ فَإذَا الَّذِي استَنصَرَهُ بِالامسِ يَستَصرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيُّ مُبِينٌ* فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَن يَبطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوُّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسى أَتُريدُ أَن تَقتُلَنِي كَمَا قَتَلتَ نَفسَا بِالامسِ إَن تُريدُ إلاّ أَن تَكُونَ جَبَّارا في الارض وَمَاتُرِيدُ أَن تَكُونَ مِن الْمُصلِحِين* وَجَاء رَجُلٌ مِن أَقْصا المَدِينَةِ يَسعى قَالَ يَا مُوسى إِنَّ المَلاَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقتُلُوكَ فَاخْرُج إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين* فَخَرَجَ مِنَها خَائِفا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَومِ الظّالمِين) (الايات 15 ـ 21).

وكان لفعله ـ قتله القبطي ـ تبعة في الدُّنيا وهي إئتمار قوم فرعون لقتله.

وتبعة عصيان أوامر اللّه ونواهيه المولوية تصيب الانسان في الاخرة؛ وأحيانا في الدنيا والاخرة وهي ذنوب العبد تجاه ربّه جلّ اسمه.

ثانيا: شرح بعض الكلمات:

أ ـ ذَا الاَيْد:

آدَ، يئيدَ، أيدا: أشتَدَّ وقويَ، وذا الايد: صاحب القوّة.

ب ـ أَوّاب:

أوَّبَ تأويبا: رجع فهو أوّابٌ، والاوّاب كالتّواب: الراجع إلى اللّه بترك معاصيه وفعل طاعاته.

ج ـ تُشْطِطْ:

الشَّطط: الجور في الحكم وتجاوز القدر المحدود في كلّ شي‌ء.

د ـ أكْفِلْنيها:

كفله كفلا وكفالة: عاله ورعاه، وأكفلنيها: أعطني إيّاها لارعاها.

هـ ـ عَزَّني في الخطاب:

عزّه وعازّه: غلبه، وعزّني في الخطاب: غالبني في الكلام.

و ـ الخُلَطاء:

مفردُهُ الخليط: الصديق والمجاور والشريك.

ز ـ ظَنَّ:

الظَّنُّ ما يحصل عن إمارة، وقد يبلغ الظّنُّ درجة اليقين مثل قوله تعالى: (وظَنَّ داودُ أنّما فَتنّاه) أيْ أيقن أنّا فَتنّاه، وقد لا يبلغه ويكون دونه إلى حدّ التوهّم، مثل قوله تعالى في خبر يونس (ع): (فَظَنَّ أَن لَن نَقدرَ عَلَيهِ).

ح ـ فَتَنَّاهُ:

الفِتْنَهُ: الامتحان، ويكون المعنى: أيقن داود أنّا امتحنّاه.

ط ـ خَرَّ:

خَرَّ: سقط من علوّ، وخرَّ راكعا أي هوى إلى الركوع.

ي ـ أَنابَ:

ناب إلى الشي‌ء نوبا ونوبة: رجع إليه مرّة بعد أُخرى، وأناب العبد إلى اللّه: رجع إليه بالتوبة من المعصية، وكذلك اعتمد عليه في ما ينزل به، وكان إبراهيم (ع) منيبا يرجع إليه في اُموره كلّها.

ك ـ فَغَفَرْنا وَلْيَغْفِر:

غفره مغفرة وغفرا وغفرانا: ستره وغطّاه فهو غافر وغفور، وللمبالغة غفّار، وكلّ شي‌ء سترته فقد غفرته، وسمّي ما ينسج من الدروع على قدر الرأس ويلبس تحت القلنسوة بالمغفر لانّه يستر الرأس والرقبة، وغفر اللّه ذنوبه: أي سترها، ويكون ذلك بِمَحوْ آثار الذّنوب في الدنيا وآثارها في الاخرة.

ل ـ لَزُلْفى:

زلف إليه زلفا، وزلفى، وزلفة، وازدلف: دنا منه وتقرَّب، والزلفة: القرب.

م ـ مآب:

آب يؤوب أوبا وإيابا ومآبا: رجع، والمآب ـ أيضا ـ: اسم زمان ومكان للاوب.

ن ـ خَليفَةً:

سبق أن فسّرنا لفظ الخليفة، وقلنا ما موجزه:

ليس معنى خليفة اللّه في القرآن نوع الانسان على الارض كما قيل، بل المراد: الامام المنصوب من قبل اللّه لهداية النّاس وليحكم بين الناس، كما يظهر ذلك في قوله تعالى لداود (ع): (يا داودُ إنّا جَعلناكَ خَليفةً في الارضِ فاحكُمْ بينَ النّاس بالحقّ).

س ـ الخِيَرَة:

خار الشي‌ء على غيره خِيْرةً وخِيَرَةً وخيرا: فَضَّله على غَيْره.

ع ـ وَطَرَا:

الوَطَرُ: حاجة للانسان له عناية بها واهتمام فإذا بلغها ونالها قيل: قضى وطره.

ف ـ أَدْعياؤهُمْ:

الادْعياء: مفردُهُ الدَّعِيُّ: من يُنسَب إلى قوم وليس منهم، وأظهر مصاديقه: المتبنّى.

ص ـ سَنَّةُ اللّه:

النَّظام الذي قدّره اللّه لخلقه. و(سَنّةُ اللّهِ في الّذينَ خَلَو) أي حكم اللّه وشريعته التي أنزلها على مَن سَبق خاتم الانبياء من الرُّسُل.

ق ـ قدرا مقدورا:

قَدَّر اللّه الامر يُقَدِّرُه: دَبَّره أو أراد وقوعه، وقدَرَ اللّه الرِّزْقَ يَقْدِرُه جَعَله محدودا ضيِّقا.

ز ـ جُذاذا:

جَذَّ الشي‌ء جَذَّا: قطعه؛ فالشي‌ء مجذوذ، وجذّه كسره وفتّته، والجذاذ المقطَّع أو المسوريَّر.

ش ـ فَتى:

الفَتى: الشابُّ من كلّ شي‌ء، ويقال للعبد والامة تَلَطُّفَا بهما، والفتى: الكامل من الرجال، والمراد به هنا الشابُّ من الرجال.

ت ـ نُكِسُوا:

نَكَسَ رأسه وَنُكِسَ على رأسه: طَأْطَأَ رأسه ذُلاّ وانسوريارا.

ض ـ السِّقاية:

السِّقاية: ألاناء يُسقى به وقد يكال به.

ظ ـ العِير:

القوم معهم حملهم من الميرة، وقد يقال للرجال وللجمال معا، كما يقال لكل منهما وحده: العِير.

غ ـ صُواع:

المراد بالصُّواع هنا: صاع الملك وهو السقاية المذكورة قبله.

آ ـ زَعيم:

زعم يزعمُ وزَعامة: ضمن وكفل فهو زعيم.

ثالثا: تأويل الايات:

في بيان تأويل الايات نبدأ أوّلا ببيان تأويل بعض الموارد، حسب معناها اللغوي، وثانيا بإيراد الروايات عن أئمة أهل البيت في ذلك.

تأويل الايات بحسب معنى الالفاظ في لغة العرب:

أ ـ خبر إبراهيم (ع) في سورير الاصنام:

في قوله (ع): (بَل فَعَلَهُ كَبَيرُهُم هذا فَاسألوهُم إن كانُوا يَنطِقون) (الانبياء 63) تورية، والمعنى في الكلام: فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، ويعرف ذلك من قوله تعالى بعده: (لقد عَلمتَ ما هؤلاء يَنطِقون) (الاية 65).

ب ـ خبر يوسف مع إخوته:

قصدوا من قولهم لاخوة يوسف (أَيّتُها العِيرُ إِنّكُم لَسارقُون) أَنّهم سَرقَوا يوسف (ع) من أبيه.

أمّا صواع الملك فقد قالوا عنه (نفقد صواع الملك)، ولم يقولوا سُرق صواع الملك. وفي هذا الكلام ـ أيضا ـ تورية كما اتَّضح ممّا بيّنّاه(1) .

ج ـ خبر رسول اللّه بعد الفتح:

قال سبحانه في سورة الفتح:

(إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَا مُبِينا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهدِيَكَ صِراطا مُستَقيما* وَيَنصُرَكَ اللّهُ نَصرا عَزيزا* هُوَ الّذي أَنْزَلَ السّكينَة...) (الايات 1 ـ 4).

تفسير الكلمات

أ ـ فتحنا:

المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية وقد سمّاه اللّه فتحا لما أعقب من سورير شوكة قريش، وعدم استطاعتهم مناوأة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجهيز الجيوش لمحاربته وفتح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة بعد ذلك.

ب ـ لِيَغفِرَ:

في اللغة غَفر الشي‌ء: ستره.

ج ـ ذَنبك:

قال الرّاغب: (الذنب في الاصل الاخذ بذنب الشي‌ء، يقال: أذنبته ـ أي ـ أصبت ذنبه، ويستعمل في كلّ فعل يستوخم عقباه)، (ولهذا يسَمّى الذنب: تبعة اعتبارا بذنب الشي‌ء، وجمع الذنب: ذنوب.

تأويل الاية بحسب معناها اللغوي:

كان من خبر صلح الحديبية ما رواه الواقدي في المغازي وقال ما موجزه:

وثبَ عمر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: ألسنا بالمسلمين؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): بلى. قال: فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا عبد اللّه ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني. وجعل ـ عمر ـ يردّ على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام، وتكلّم مع أبي بكر وأبي عبيده في ذلك فرّدا عليه، وكان يقول بعد ذلك: لقد دخلني يومئذ من الشكّ وراجعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مراجعة ما راجعته مثلها قط.. الخبر(2) .

ونزلت السورة تُعْلِم بأنّ الصلح فتح للرسول وللمسلمين، وأنّ ما كان المشركون يعدّونه ذنبا للرسول في ما تقدّم من قيامه بمكّة بتسفيه أحلامهم وعيب آلِهَتهم، وفي ما تأخّر من قتله إيّاهم في غزوة بدر وغيرها. قد ستر اللّه جميعها بذلكم الصلح الذي أنتج كلّ تلكم الفتوح، وإنّ قوله تعالى في هذه السورة: ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، كقوله تعالى في حكاية قول الكليم موسى بن عمران (ع) في سورة الشعراء:

(وَلَهم عَليَّ ذَنبٌ فَأخافُ أنْ يَقتلون) (الاية 14).

وبناء على ما ذكرناه يكون ذنب الرسول في مقابل قومه كذنب موسى (ع) في مقابل الاقباط بمصر.

***

نكتفي بهذا المقدار من بيان تأويل الايات بحسب معناها اللغوي، ونورد في ما يأتي بحوله تعالى تأويل الايات من الرويات:

تأويل الايات في روايات أئمة أهل البيت (ع):

روى الصدوق أنّ الخليفة العباسي المأمون جمع للامام علي بن موسى الرضا (ع) أهل المقالات من أهل الاسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، وكان فيهم علي بن الجهم من أهل المقالات الاسلاميين، فسأل الرضا (ع) وقال له: يا ابن رسول اللّه! أتقول بعصمة الانبياء؟ قال: بلى، قال: فما تعمل في قول اللّه عزّ وجلَّ: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى)؟ وقوله عزَّ وجلَّ: (وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا فَظنّ أَن لَن نَقِدر عَلَيه)؟ وقوله في يوسف: (وَلَقَد هَمَّتْ به وَهَمَّ بها)؟ وقوله عزَّ وجلَّ في داود: (وَظَنَّ داوُدُ أَنّما فَتَنّاهُ)؟ وقوله في نبيّه محمدّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَتُخفي في نَفسِكَ ما اللّهُ مُبْديهِ وَتَخشى النّاسَ واللّهُ أَحقُّ أَن تخشاه)؟

فقال مولانا الرّضا (ع): وَيْحَكَ يا عَليّ! اتّق اللّهَ وَلا تَنْسِبْ إلى أنبياء اللّهِ الفَواحشَ وَلاَ تَتَأَوَّلْ كِتابَ اللّهِ برَأَيكَ، فَإنَّ اللّهَ عزَّ وَجَلَّ يَقولُ: (وَما يَعلَمُ تأويلَهُ إلاّ اللّهُ وَالراسخونَ في العِلم) أَمّا قَولُه عَزَّ وَجَلّ في آدم (ع): (وَعَصى آدَمُ ربَّهُ فَغَوى) فَإنّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَم حُجَّةً في أَرْضِهِ، وَخَليفَتَهُ في بلادِهِ، لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ، وَكانَتْ الَمْعصيةُ مِن آدَمَ في الجَنَّةِ لا في الارْضِ لِتَتِمَّ مَقاديرُ أَمْر اللّهِ عزَّ وَجَلَّ، فَلَمّا أُهْبِطَ إلى الارْضِ وَجُعِلَ حُجَّةً وَخليفَةً عُصِمَ بِقَولِهِ عَزَّ وجَلَّ: (إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنوحا وَآل إبراهيمَ وَآلَ عِمران عَلى العالَمين).

وَأَمّا قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وذَ النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا فَظَنَّ أَن لَن نَقِدرَ عَلَيه) إَنَّما ظَنّ أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجلَّ لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، أَلا تَسْمَعُ قولَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَمّا إِذا ما ابتلاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزقَه)؟ أي ضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ اللّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لكانَ قَدْ كَفَرَ.

وَأَمَّا قَولُهُ عَزَّ وَجَلَّ في يُوسُفَ: (وَلَقَدْ هَمَّت بِهِ وَهمَّ بِها) فَإنَّها هَمَّت بالَمعْصية، وَهَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِها إنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ ما داخَلَهُ، فَصَرَفَ اللّهَ عَنْهُ قَتْلَها والفاحِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (كَذلكَ لِنَصرِفَ عَنْهُ السُّوء)؛ يَعني القَتْل (والفَحشاء)؛ يعني الزِّنا.

وأمّا داود فما يقول من قبلكم فيه؟ فقال عليّ بن الجهم: يقولون: إنّ داود كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طيرٍ أحسن ما يكون من الطّيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطّير فخرج إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السّطح، فصعد في طلبه فسقط الطّير في دار اُوريا بن حنّان، فاطّلع داود في أثر الطّير فإذا بامرأة اُوريا تغتسل، فلمّا نظر إليها هواها، وكان أوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن قدّم اُوريا أمام الحرب، فقدّم فظفر اُوريا بالمشركين، فصعب ذلك على داود، فكتب الثّانية أن قدّمه أمام التّابوت، فقتل أوريا؛ وتزوّج داود بامرأته، فضرب الرّضا (ع) بيده على جبهته وقال: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيّا من أنبياء اللّه إلى التّهاون بصلاته حتّى خرج في أثر الطّير، ثمّ بالفاحشة، ثمّ بالقتل! فقال: يا ابن رسول اللّه! فما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك إنّ داود إنّما ظنّ أنّ ما خلق اللّه عزّ وجلّ خلقا هو أعلم منه، فبعث اللّه عزّ وجلّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقالا: (خَصمانِ بَغى بَعضُنا عَلى بَعضٍ فَأحكُم بَينَنَا بِالَحقِّ وَلا تُشْطِطْ واهدِنا إلى سَواء الصِّراط* إِنَّ هذا أخي لَهُ تِسعٌ وَتِسعونَ نَعجةً وَليَ نَعجةٌ واحدةٌ فَقالَ أَكْفِلْنيها وَعَزَّني في الخِطابِ) فَعَجَّل داوُدُ (ع) عَلَى المدّعى عليه فَقَالَ: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعجَتكَ إلى نِعاجِه) فَلَمْ يَسأَل المُدَّعي البَيِّنَةَ على ذلكَ، وَلَمْ يُقْبِلْ على المُدَّعى عَلَيْهِ فَيقولُ: ما تُقُولُ؟ فكانَ هذا خَطيئَة حُكْمِهِ، لا ماذَهَبْتُم إِليْهِ، ألاّ تسمع قول اللّه عزّ وجلّ يقول: (يا داوُدُ إِنّا جَعَلناكَ خَليفَةً في الارْض فَاحكُم بَينَ النّاسِ بِالحقّ) إلى آخر الاية، فقلت: يا ابن رسول اللّه فما قصّته مع أوريا؟ فقال الرّضا (ع): إنّ المرأة في أيّام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبدا، وأوّل من أباح اللّه عزّ وجلّ له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها، داود، فذلك الّذي شقّ على أوريا... الحديث(3) .

وفي خبر داود خاصّةً عن أمير المؤمنين الامام عليّ (ع) انّه قال:

ما أوتي برجل يزعم أنَّ داودَ (ع) تزوَّجَ بامرأة أوريا إلاّ جَلَدْتُهُ حَدَّين حدّا للنبوّة وَحَدَّا للاسْلامِ(4) .

والمعنى: (مَنُ قال إنَّ داوُدَ تزَوَّج بامرأة أوريا) أي قبل استشهادِهِ في رواية: (من حَدَّثَ بحديثِ داوُدَ عَلى ما يَرْويه القُصّاصُ جَلَدْتُهُ مائة وستّين) وفي رواية: وهو حدّ الفرية على الانبياء(5) .

وروى الصدوق ـ أيضا ـ عن الامام الصادق (ع) مثل الرواية الاولى، وفي رواية قال: إنّ المرأة في أيّام داود (ع) كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبدا، وأوّل من أباح اللّه عزّ وجلّ له أن يتزوّج بامرأة قتل بعلها داود (ع)، فتزوّج بامرأة أوريا لمّا قتل وانقضت عدّتها، فذلك الذي شقّ على الناس من قتل أوريا(6) .

ولو قيل إنّ ما أوردتموه معارض بما رواه القمّي في تفسيره أنّه قال ما موجزه:

إنّ داود (ع) كان في محرابه يصلّي فاذا بطائر قد وقع بين يديه، فأعجبه جدا ونسي ما كان فيه فقام ليأخذه، فطار الطائر فوقع على حائط‍ بين داود وأوريا ـ كان داود قد بعثه في بعث ـ فصعد داود الحائط ليأخذه، فرأى امرأة جالسة تغتسل، فلمّا رأت ظلّه نشرت شعرها وغطّت به بدنها، فافتتن بها داود ورجع إلى محرابه، وكتب إلى صاحبه في ذلك البعث أن يسيروا إلى موضع كيت وكيت ويوضع التابوت بينهم وبين عدوّهم ويقدّم أوريا بين يدي التابوت، فقدّمه فقتل... الحديث بطوله(7) .

قلنا: إنّ هذه الرواية قد جمع فيها راويها الروايات المتعدّدة الواردة في تفسير الايات بتفاسير مدرسة الخلفاء، وأضاف اليها من خياله بعض القول، ثم رواها عن الامام الصادق (ع). ونحن ندرس متن الرواية دون التعرض لسندها ونقول:

أوّلا ـ قال: في الحديثين المتعارضين: ذروا ما وافق أخبار العامّة( .

ثانيا ـ ورد بخصوص خبر أوريا المذكور عن الامام جعفر الصادق (ع) أنّه عندما سئل عنه وقال له الراوي:

ما تقول في ما يقول الناس في داود وامرأة أوريا؟

فقال: ذلك شي‌ء تقوله العامّة(9) .

في هذا الحديث صرّح الامام الصادق (ع) بأنّ منشأ قول الناس في داود وأرملة أوريا هم العامّة أي أتباع مدرسة الخلفاء. إذا! فقد انتشر منهم هذا القول إلى مصادر الدراسات بمدرسة أهل البيت. وقد سَِمَّينا هذا النوع من الروايات بالروايات المنتقلة؛ أي المنتقلة من مدرسة الخلفاء إلى مدرسة أهل البيت(10) .

وإذا بحثنا عن مصدر هذه الرواية بكتب التاريخ والتفسير بمدرسة الخلفاء(11) وجدنا أنّ رواة هذه الرواية لم يرووها عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقولوا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك، ما عدا رواية واحدة رواها السيوطي في تفسير الاية عن يزيد الرقاشي عن أنس، وقد بيّنا في هذا البحث زيفها في ما سبق.

في قصّة زيد وزينب: كسر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بتزويجة زينب من زيد قانون التكافؤ في النسب من أعراف الجاهلية واستبدله بقانون التكافؤ في الاسلام، وبعد هذا الانجاز العظيم أمره اللّه تعالى أن يسورير ـ بزواجه من مطلقة زيد ـ قانون التبنّي من أعراف الجاهلية، وفي عمله هذا شابه عمل النبيّ داود (ع) في زواجه بأرملة أوريا وتبديله بذلك قانونا جاهليا بقانون إسلامي، وكذلك يفعل الانبياء في إجراء الاحكام الاسلامية، وهكذا فعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أيضا ـ في إبطاله قانون الرِّبا وقانون أخذ الثأر الجاهِلَّيين في حجّة الوداع بابطال رِبا عَمَّه العباس واهدار دم ابن عمّه(12) .

***

هذه هي الحقيقة في أمر زواج النبيّ داود (ع) بأرملة أُوريا وزواج خاتم الانبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) بمطلّقة ابنه المتبنّى زيد، غير أنّ انتشار الروايات الاسرائيلية في تأويل قصص الانبياء السابقين، والرويات المختلقة في تأويل ما عداها في بعض كتب التفسير وبعض مصادر الدراسات الاسلاميّة الاُخرى حجبت رؤية الحقّ عن الباحثين، وجعلت من الباطل حقّا ومن الحق باطلا، واشتهرت تلك الروايات وراجت في الاوساط الاسلاميّة لما كان فيها من تبرير لتورط بعض أفراد السلطات الحاكمة في قضايا شهوة الجنس، كما إنّ صدور المعاصي من أمثال يزيد ابن معاوية واشباهه من خلفاء بني مروان بعده ونظرائهم هو الداعي لعامّة ما نسب إلى الانبياء والرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) من المعاصي ونفي العصمة عنهم، وتأويلهم الايات في حقّهم بما يدفع النقد عن بعض الخلفاء.

***

بعد الانتهاء من ذكر صفات المبلغين عن اللّه ينبغي أن ندرس في البحث الاتي كيفية المعارك التي خاضوها مع طواغيت عصورهم ومع المترفين من أمّتهم في كلّ عصر.

(
معارك الرُّسُل مع أُممهم

(معارك الانبياء)

معارك الانبياء حول الربوبية

إنَّ تاريخ الشرائع السماوية يدلّ على أنّ جُلَّ الجبابرة الذين وقفوا بوجه الانبياء كان محور صراعهم (الربوبية) لا (الخالقية)، فقد كان أكثر أقوام الانبياء يُقِرُّون بأنّ اللّه خالق جميع الموجودات وإنْ كانوا قد يسمّونه باسمٍ آخر؛ مثل اليهود الذي يسمّون اللّه (يهوه)، كما أخبر اللّه عنهم وقال تعالى:

أ ـ (وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّمواتِ والارضَ لَيَقُولُنَّ اللّه) (لقمان 25).

ب ـ (وَلَئِنْ سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّمواتِ والارضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزيزُ العَليم) (الزخرف 9).

ج ـ (وَلَئِنْ سَأَلتَهُم مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنّى يُؤفَكُون) (الزخرف 87).

ونبدأ بذكر معركة كليم اللّه موسى (ع) مع فرعون لوضوح أبعاد المعركة فيها:

موسى الكليم (ع) وفرعون:

جاء في القرآن الكريم مرّاتٍ كثيرةً ذكر قصة موسى الكليم (ع) وطاغوت عصره فرعون، ومِنْ جملتها ما جاء في سورة (النازعات):

إنَّ فرعون بعد أن حاججه موسى (ع) وشاهد الايات الالهية التي كانت معه جمع جمعا عظيما من أهل مصر ونادى فيهم:

(أَنا رَبُّكُمُ الاعلى) (النازعات 24).

وهو يعني من قوله هذا انّه إذا كان للدجاج ـ مثلا ـ ربّ يملكه ويطعمه ويربّيه ويسنّ نظاما لحياته، فأنّ فرعون ـ أيضا ـ يقول (أَلَيسَ لي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الاَنهارُ تَجري مِن تَحتي) (الزخرف 51).

إنّ فرعون مصر في ذلك الزمان كان يملك كلّ ما في مصر، وعلى هذا فإنّه كان يرى أنّه هو الذي يطعم المصريّين، ويمدّهم بما يحتاجون إليه كافّة، إذا فهو الذي يربّيهم، وهو الذي ينبغي أن يشرِّع نظاما لحياتهم، فإذا ما شرّع: أنّ الاسرائيليَّ يجب أنْ يخدم المصريَّ يكون ذلك شرعا ودينا يجب العمل به، وإذا سنَّ نظاما بذبح أبناء الاسرائيلين واستحياء نسائهم، فذلك دين يجبُ العمل به. كان هذا معنى قول فرعون (أَنا رَبُّكُمُ الاعلى) ولم يَدّعِ في قوله هذا أنّه خلق السموات والارض وما فيهما وما بينهما.

فماذا كان يقول له موسى الكليم (ع)؟ وما هي الرسالة التي أُمر هو وأخوه هارون بتبليغها لفرعون؟ إنّ اللّه سبحانه وتعالى عَيَّنها في خطابه إيّاهما وقال لهما:

(اذهَبَا إلى فِرْعَونَ إنَّهُ طَغَى... فَأتياهُ فَقولا إنّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنَا بَني إسرائيلَ وَلا تُعَذِّبهُم قَدْ جِئناكَ بِآيةٍ مِن رَبِّك) (طه 43 ـ‍ 47).

يقول لهما في هذه الاية:

يا موسى ويا هارون اذهبا إلى فرعون فقولا إنّا رسولا ربّك الذي أنشأك وربّاك وأكملك، قولا له أنت مخطى‌ء يا فرعون في ادّعائك الربوبية، وإنّ معنا آيةً وشاهدا من ربّك على صدقنا.

وبعد مشاهدة فرعون آيات اللّه مع موسى كابَرَهُ وحاجَجَه وقال: إنْ كنتما لا تقبلان ربوبيّتي، وتقولان إنّ الربوبية لغيري وعلينا أن نأخذ نظام الحياة منه، فمن هو هذا الربّ؟

(فمن رَبُّكما يا موسى) (طه / 49).

أوردَ القرآن هنا بإيجاز جواب موسى (ع) لفرعون وقال:

(قالَ رَبُّنا الّذي أَعطى كُلَّ شي‌ء خَلقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه / 50).

أي أتمَّ خلق كلِّ شي‌ء وفصّل تمامَ خلقِ الشي في سورة الاعلى حيث قال تعالى: (فسوّى)، أي هيّأه لقبول الهداية (ثمّ قدّر) حياته (فهدى) كلّ صِنفٍ مِن الخلق بما يتناسبُ وفطرته، وَهدى صنف الانسان من الخلق بواسطة الرسل.

وأراد فرعون أن يلقي الشبهة في استدلال موسى (ع) هذا، وقال: (فَما بَالُ القُرونِ الاُولى) (طه 51)، أي إذا كان الربّ يهدي الناس إلى النظام الذي شرّع لهم بواسطة الرسل فكيف هدى الربّ القرون الاُولى؟ ومن هم الذين أرسلهم اليهم وكيف كانت شرائعهم؟

قال موسى (ع): (عِلْمُهَا عِندَ رَبيِّ في كتابٍ لا يَضِلُّ رَبيِّ ولا يَنسى) (طه / 52).

إنَّ علم أولئك القرون عند الربّ مكتوب في كتاب لا يضلَّ ولا ينسى، وفصّل موسى (ع) شرح صفات الربّ وقال: (الّذي جَعَلَ لَكُم الارضَ مَهدا وَسَلَكَ لَكُم فِيها سُبُلا وَأنزَلَ مِنَ السّماء ماء فَأخرجنَا بِهِ أزواجا مِن نَباتٍ شَتّى* كُلُوا وارعُوا أنعامَكم إنَّ في ذلك لاياتٍ لاُولي النُّهى) (طه / 53 ـ 54).

في هذا المقطع ذكر القرآن احتجاج موسى (ع) في مقابل قول فرعون (ألَيسَ لي مُلكُ مِصرَ وهذهِ الانهارُ تَجري مِنْ تَحتَي) (الزخرف 51)، وإنّه قال له وللملا من حوله: إنّ رِّبكم هو الخالق الذي خلق الارض وجعلها بمقتضى ربوبيّته مهدا للانسان وشقّ فيها طرقا للسير، ومنها أرض مصر، وأنزل من السماء المطر الذي يتكون منه الانهار، ومنها نهر النيل، وأنّه أخرج من الارض بسبب الماء نبات الارض متاعا للانسان والحيوان.

وأُفحِمَ فرعونُ بهذا المنطق وتبلّدَ وأرادَ أن يلقي شبهةً في حجج موسى البيّنات كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن موقفه وقال: (وَلَقَد أَرَيناهُ آياتِنا كُلَّها) (طه 56) ـ الكونية العامّة وما جاء بها موسى (ع) من آياتٍ خاصة ـ فَكَذَّبَ ـ فِرْعَوْنُ ـ وَأَبى وقال: (أَجِئتَنَا لِتخرِجَنا مِن أرضِنَا بِسِحركَ يا مُوسى* فَلَنَأتِيَنَّكَ بِسحرٍ مِثلِهِ فَاجعَل بَينَنَا وَبينكَ مَوِعدا لا نُخلِفُهُ نحنُ ولا أنت مَكانا سُوى) (طه 57 ـ 58).

إنّ موسى كان من بني إسرائيل وهم غرباء في أرض مصر مستعبدون لاهلها، وأراد فرعون بقوله (أجِئتنَا لتُخرِجنَا مِن أرضِنا) أن يهيج الملا من حوله على موسى الغريب، وأيضا ألقى الشبهة في آيتي العصا واليد بقوله (بِسحرِك يا مُوسى) وقد كان السِّحر منتشرا في أرض مصر، وفيها العدد الكثير من أتباع فرعون، والسِّحر تخييل لا حقيقة له، وخداع للبصر والحواس، وقد يصل إلى خداع الاحساس عندما يشاهد الانسان أشياء لا وجود لها، وكانت آية موسى من صنع قدرة اللّه سبحانه وتعالى التي جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم (ع)، ولكن أنّى للعامّة من الناس قوَّة تمييز الحقّ من الباطل والتخييل من الحقيقة، ثمّ إنّ الكثرة قد تغلب، ولهذا كله اقترح فرعون من موقع القوّة على موسى (ع) وقال: (فَلَنَأتِينَّكَ بِسحرٍ مِثلهِ فَاجعَل بَينَنَا وَبَينَكَ مَوعِدا لا نخْلفُهُ نَحْنُ وَلا أنْتَ مكانا سُوى) (طه 58).

إنّ فرعون تحدّى مُوسى باستعلاء، وجعل لموسى (ع) تعيين الموعد، وقبل موسى (ع) التحدي واختار الموعد يوم عيد من الاعياد الجامعة حيث يأخذ الناس فيه زينتهم، ويتجمعون في الميادين المكشوفة وقال: (مَوعِدُكم يَومُ الزِّينَةِ وَاَن يُحشَرَ النّاسُ ضُحى) (طه 59).

والضُّحى أنسب الاوقات في النهار (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ) (طه 60).

وجاء ذكر جانب آخر من مُواجهة الكليم مع فرعون في سورة الشعراء، حيث أخبر اللّه سبحانه عن ارسال موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون ونتيجة المواجهة وقال: (فَأْتيا فِرعَونَ فَقولا إنّا رَسُولا رَبِّ العالَمين... قالَ فِرعَونُ وَما رَبُّ العَالَمين* قالَ رَبُّ السَّمواتِ والارضِ وَما بَينَهُما إن كُنتُم مُوقنين* قالَ لِمَن حَولَهُ أَلاّ تَستَمِعُون* قالَ رَبُّكُم وَرَبُّ آبائكم الاوَّلين* قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الّذي أرسِلَ إليكُمُ لَمَجْنون* قال رَبُّ المشرِقِ وَالَمغرِبِ وَما بَينَهُما إنْ كُنتُم تَعقِلونَ) (الشعراء 16 ـ 28).

وبعد طلب فرعون آية من موسى (ع) ورؤيته آيتي العصا واليد، (قالَ لِلمَلاَ حَولَهُ إنّ هذا لَساحِرٌ عَليم* يُريدُ أن يُخرِجَكُم مِن أرضِكُم بِسِحرِهِ فَماذا تَأمرُون* قالوا أرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ في المدائنِ حاشرين* يَاتُوُكَ بكلِّ سَحّارٍ عَليم* فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِميقاتِ يَومٍ مَعلومٍ* وَقيلَ لِلنّاسِ هَل أَنتُم مُجتَمِعُون* لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَة إن كانوا هُمُ الغالبين* فَلَمّا جاء السَّحَرَةُ قالوا لِفِرعَوْنَ أَئنَّ لَنا لاجرا إن كَنّا نحنُ الغالبين* قالَ نَعَم وَإِنَّكُمُ إذا لَمِنَ المُقَرَّبين* قالَ لَهُم موسى ألقُوا ما أَنتُم مُلقُون* فَألقَوا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُم وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرعَونَ إِنّا لَنَحنُ الغالبِون) (الشعراء 34 ـ 44).

وفي سورة الاعراف:

(فَلَمّا أَلقَوْا سَحَرُا أَعيُنَ النّاسِ واستَرهَبُوهُم وَجاءوا بِسِحرٍ عَظيم* وَأَوحَينا إلى مُوسى أن ألقِ عَصاكِ فَإِذا هِيَ تَلقَفُ ما يَأفِكُون*... وأُلقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدين* قالُوا آمَنّا بَربِّ العالمَين* رَبِّ مُوسى وهَارُون* قالَ فِرعَونَ آمَنتُم بِهِ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم إنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرتُمُوه في المَدينَةِ لِتُخرجُوا مِنْها أهلَها فَسَوف تَعلَمون* لاُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرجُلَكُم مِن خِلافٍ ثُمَّ لاُصَلِّبَنَّكُم أَجمَعين* قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنقَلِبُون* وَما تَنقِمُ مِنّا إلاّ أَن آمَنّا بآياتِ رَبِّنا لّما جاءتْنَا رَبَّنا أَفرِغْ عَلَينا صَبرا وَتَوَفَّنا مُسلِمينَ) (الايات 116 ـ 126).

وفي سورة الشعراء:

(قالَ فِرْعَوْنُ إنَّهُ لَكَبيرُكُمُ الّذي عَلّمكُم السِّحْرَ) (الاية 48).

في هذه الايات جاء عن لسان موسى أنّه قال لفرعون: إنّا رَسُولا رَبِّكَ، جئناكَ بآية من ربّك.

وفي الايات الماضية حكى القرآن عن فرعون أنّه قال لاهل مصر: (أنا رَبُّكّم الاعلى).

وأنّ موسى (ع) أُوحي إليه أن يقول لفرعون:

(إنّا رَسولا رَبِّكَ، جِئناكَ بآيةٍ مِن رَبّك).

وأنّ فرعون قال:

(فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى)!.

وأنّ موسى (ع) قال له:

(رَبُّنا الّذي أعطى كُلَّ شَي‌ء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).

وأنّه أجاب عن علم القرون الاُولى أنّه:

(عِندَ رَبِّي الّذي جعل لكم الارضَ مهدا).

وفي مورد آخر: فقولا له: (إنّا رَسولا ربّ العالمين).

وأنّ فِرعَونَ قال: (وما ربُّ العالمين؟).

وأنّ موسى (ع) قال: (ربُّ السَّموات والارْضِ وَما بَينهُما).

(ربّكُم وَرَبُّ آبائكم الاوَّلين).

(رَبُّ المَشرِقِ وَالَمغرِب وَما بَينَهُما).

وأنَّ السَّحَرَة لمّا رأوا آية العَصا تلقَفُ ما يأفكون قالوا:

(آمَنَّا برَبِّ العالمينَ رَبِّ مُوسى وهارون).

وَأَنَّهم قالوا لِفرعَونَ لَمّا قالَ لَهُم لاُقَطِّعَنَّ أيديَكُم وَأرجُلَكُم...:

(لاَضَيرْ إنّا إلى رَبَّنا مُنقَلبون* وَما تَنقِمُ مِنّا إلاّ أَنْ آمَنّا بآياتِ رَبِّنا لّما جاءتنَا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَينَا صَبرا وَتَوَفَّنا مُسْلِمين).

يتَّضح جليّا ممّا جاء في القرآن الكريم: أنّ مواجهة الرسولين موسى وهارون عليهما السلام مع فرعون ومَلَئِهِ قد تَعَدَّدَت وتَعَدَّدَت المحاوراتبين الرسولين وبينه، كما تعددت الايات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضّفادع، والدم، وأنّ المحاورات كلّها كانت تدور حول الربوبية، وأنّ الرسولين كانا يقولان: رَبُّنا وربّكم هو ربّ العالمين رب السموات والارض وما بينهما وربّ القرون الاولى، ربّ المشرق والمغرب وما بينهما وربّ آبائكم الاوّلين، وأنّ ربّ الجميع واحد، وهو الذي أعطى كل شي‌ء خلقه ثمّ هدى، وأنّ السحرة ادركوا أنّ سحرهم كان تخييلا لا حقيقة فيه، وأنّ اثر السحر ينتهي، وأن العصّي والحبال ـ مثلا ـ التي كانت تموج في الساحة كالحيات كانت تعود إلى حالتها الاولى عصيّا وحبالا، ولكن آية العصا ابتلعتها جميعا ولم يبق منها عين ولا أثر وهي خارجة عن قدرة غير خالقها ربّ العالمين فقالوا: آمنا بربّ العالمين، ربّ الرسولين موسى وهارون (عليهما السلام) الذي أرسلهما لهداية الناس.

معارك إبراهيم (ع) حول توحيد الالوهيّة والربوبيّة:

قبل عصر موسى الكليم (ع) بدهر، جاهد إبراهيم الخليل أنواعا من الشرك في عصره منها:

أ ـ جهاده في توحيد الالوهية:

حكى اللّه خبر جهاد إبراهيم مع قومه في توحيد الالوهية في سورة الانبياء والشعراء والصافّات؛ في كلّ منها حكى عن جانب من خبر جهاده وكيف حاججهم في ما يعتقدون، وأنّه انتهى الامر بسوريره آلِهَتَهم وإلقائهم إيّاه في النار، وكيف جعل اللّه النار عليه بردا وسلاما، ونترك الحديث حوله لندرس في ما يأتي ما فعله في شأن توحيد الربوبية باذنه تعالى:

(قالوا ءأَنتَ فَعَلْتَ هذا بَآلهتِنا يا إبراهيمُ قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فَاسْأَلُوهُم إن كانُوا يَنطِقُون).

أي فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون. ولّما كانت الاصنام لا تنطق فانّ كبيرهم لم يسوريرها. هاهنا كلّم الخليل قومه.

أخبر اللّه عن محاججة إبراهيم (ع) مع من اتخذوا الكواكب أربابا، ولم يخبرنا بأيِّ معنى اتخذوها أربابا، وقد وجدنا في أخبار المشركين أنّ منهم من كان لا يفرّق بين الربّ والاله، وأنّ الانبياء والرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يجاهدون مشركي اُممهم في توحيد الربوبية كما بيّنّاه سابقا.

وقد أخبر اللّه عمّا جرى لابراهيم (ع) مع عبدة الكواكب في سورة الانعام، وقال:

(وَكَذلكَ نُري إِبرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالارضِ وَليَكُونَ مِنَ المُوقِنِين* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيَلُ رَأى كَوكَبا قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الافِلِين* فَلَمَّا رَأى القَمَرَ بَازِغا قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّم يَهدِنِي رَبِّي لاكُونَنَّ مِنَ القَومِ الضالِّين* فَلَمَّا رَأَى الشَّمسَ بَازغَةً قَالَ هذا رَبِّي هذا أَكبَرُ فَلَمَّا أَفَلَت قَالَ يَاقَومِ إنّيِ بَرِي‌ء مِمَّا تُشرِكُون* إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاواتِ وَالارضَ حَنِيفا وَمَا أَنْا مِنَ المُشرِكين* وَحاجَّهُ قَومُهُ قَالَ أَتُحاجُّونِّي في اللّهِ وَقَد هَدَانِ وَلاَ أَخافُ مَا تُشرِكُونَ بِهِ إِلا أَن يَشَاء رَبِّي شَيئا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَي‌ء عِلما أَفَلاَ تَتَذَكَّرُون) (الايات 75 ـ 80).

كلّم الخليل هنا عبّاد الكواكب من قومه بلغتهم في معنى الربّ، وكان قوله (هذا ربّي) للكواكب والقمر والشمس على سبيل التورية والاستفهام، أي أهذا ربّي؟ مثل قوله لعبّاد الاصنام عندما سورير أصنامهم وسألوه.

ب ـ جهاد إبراهيم (ع) في توحيد الربوبيّة بمعنى تربية الاجسام:

كان كثير من البشر في العصور القديمة يعتقدون بتأثير الكواكب على عالمنا هذا وما فيه من إنسان وحيوان ونبات بإنزال المطر وحبسه، ونشر السعادة والشقاء للانسان، والجدب والرخاء والصحّة والمرض في مجتمعه، وكثرة الموت وقلّته للانسان والحيوان والنبات، ونشر المحبّة أو النفور بين الاثنين، أو إلقاء محبّة انسان في نفوس الاخرين، وما شاكل كل هذه الاُمور، ومن ثمّ يجرون بعض الطقوس العبادية مع تبخير العود ذي الرائحة الطيّبة وسائر الروائح العطرة، ويتلون أورادا وأدعية ويطلبون منها الخير ودفع الشّر، وقد قرأت شيئا ذلك في مخطوط منسوب للسكاكي (ت 626 هـ): فيه أنواع من الطلاسم وأدعية ومناجاة لبعض الكواكب مثل الزهرة والمرّيخ وغيرهما، وأحيانا في الخطاب لبعضهم يخاطب باسم الربّ، ولم يثبت عندي أنّ الكتاب من تأليف السكاكي. وذكر ابن النديم ـ أيضا ـ في أخبار الصائبة من المقالة التاسعة من الفهرست عن بعض فرق الصابئة أنهم يعبدون بعض الكواكب ولهم طقوس خاصّة بهم(13) .

ج ـ جهاد إبراهيم (ع) في أمر توحيد الربّ المشرِّع للنظام:

أخبر اللّه عن ذلك وقال في سورة البقرة:

(اَلَم تَرَ إلى الّذي حاجَّ إبراهيمَ في رَبِّهِ أن آتاهُ اللّهُ المُلكَ إذْ قالَ إبراهيمُ رَبّي الّذي يُحيي وَيميتُ قال أنا اُحيي وأُميتُ قالَ إبراهيمُ فَإِنَّ اللّهَ يأتي بالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ فأتِ بها مِن المَغرِبِ فَبُهِتَ الّذي كَفَر...) (الاية 258).

إنَّ منطق الخليل في هذه الاية هو منطق القرآن في سورة الاعلى، وأنّ الربّ هو اللّه الذي خَلَقَ فَسوَّى وَالّذي قَدَّرَ فَهَدى، وأنّ مثل جميع الخلق في ذلك مثل المرعى الذي أخرجه الربّ ثمّ جعله يابسا أحوى؛ أي أنشأ الحياة للموجودات ثمّ أماتها.

كان استدلال إبراهيم قويّا وواضحا، وأراد طاغوت عصره أن يغشي هذا الاستدلال بغطاء من التضليل، فقال:

إنّ كانت الربوبية لمن يحيي ويميت فإنِّي أُحي وأُميت، وأمر بسجين محكوم بالاعدام فأطلق سراحه، وبإنسان بري‌ء عابر طريق فأعدم، وبذلك ألقى الشبهة في نفوس الملا حوله.

ولم يسترسل ابراهيم (ع) في الجدال معه في معنى الاحياء والاماتة بل احتجّ على الطاغوت بأمر محسوس واضح الدلالة على زيف دعوى الطاغوت، وقال: فإنّ ربّي اللّه يأتي بالشمس من المشرق، فإنْ كنت ربّا فغيرّ هذا النظام وأت بالشمس من المغرب، فبهت الّذي كفر.

كان شرك طاغوت عصر إبراهيم (ع) من نوع شرك طاغوت عصر موسى (ع)؛ كلاهما ادّعيا الربوبيّة بمعنى أنّ لهما حقّ تشريع نظام الحياة للانسان؛ تشابهت دعواهما وتشابه جواب الرسولين (عليهما السلام) لهما وقالا: إنّ ربّ الانسان الّذي شرّع له نظام الحياة هو ربّ جميع الموجودات والّذي أنشأ حياة الموجودات وسنّ لها نظاما لاِدامة وجودها في الحياة، وهداها كيف تديم حياتها وفق ما سنّ لها من نظام، وهو الذي يميت كلّ الاحياء.

كان هذا منطق إبراهيم (ع) في دعوته للتوحيد مع المشركين كما أخبر اللّه عنه في سورة الشعراء، وقال:

(فَإِنَّهُمْ عَدُوُّ ليِ إلا ربَّ العَالمين* الّذي خَلَقَني فَهُوَ يهدِين) إذا قال موسى (ع) لفرعون: (رَبُّنا الِّذي أعطى كُلَّ شَي‌ء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (كما قال جدّه إبراهيم (ع) لقومه (ربُّ العالَمين* الّذي خَلَقَني فُهُوَ يَهدينِ) (الايات 79 ـ 82).

ثمّ شرح إبراهيم ربوبية اللّه وقال:

(والّذي هُوَ يُطعِمُني وَيَسْقِينِ* وإذا مَرضتُ فُهُوَ يَشْفِين* والّذي يَميتُني ثُمَّ يُحْييني* والّذي أطْمَعُ أنْ يَغفِرَ ليِ خَطِئَتي يَوْمَ الدِّين) (الشعراء 79).

والقرآن حين يكرّر أخبار محاججات الرسل مع اقوامهم الرسل مع أقوامهم يذكر في كلّ مرة جانبا من احتجاجهم وفق مناسبة ما جاء في السورة من توجيه فكري وإرشاد لمن كان حول الرسول من مسلمين ومشركين ويهود ونصارى. وليس القرآن كتاب تاريخ كي يورد الخبر مسلسلا كما وقع.

بعد دراستنا معارك الانبياء ومعرفتنا أنّ جلّ معاركهم كانت حول ربوبية ربّ العالمين؛ أي أنّ ربّ العالمين هو ربّ الانسان الذي يقدّر حياته ويشرّع له نظاما يتناسب وفطرته، وأنّ اسمه دين الاسلام الذي أوحى به إلى جميع رسله وقاموا بتبليغه إلى الناس، يتجّه إلينا السؤال عن معنى نسخ شريعة بعض الرسل بشريعة رسول آخر، وهذا ما نحاول درسه في بحث النسخ في مسيرة الانبياء الاتي بحوله تعالى.

____________

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 3 / 252.

(2) نقلته بايجاز من مغازي الواقدي (1 / 606 ـ 607).

(3) البحار (11 / 73 ـ 74) عن أمالي الصّدوق (55 ـ 57) وطبعة اُخرى (90 ـ 92). وعيون الاخبار (108 ـ 108).

(4) تفسير الاية بتفسير مجمع البيان ونور الثقلين وتنزيه الانبياء للشريف المرتضى ص 92.

(5) تفسير الاية بتفسير الخازن (4 / 35) والفخر الرازي (25 / 192) ونور الثقلين (4 / 446).

(6) البحار (14 / 24) وراجع تفسير نور الثقلين (4 / 446) نقلا عن عيون الاخبار.

(7) البحار (14 / 20 ـ 23) عن تفسير القمي (562 ـ 565)، والتتمّة في كتاب الاسرائيليّات وأثرها في كتب التفسير ط. بيروت الاُولى ص 233.

( راجع معالم المدرستين (3 / 268).

(9) البحار (14 / 200).

(10) راجع بحث الروايات المنتقلة في (ج 2) من القرآن الكريم وروايات المدرستين.

(11) راجع تفسير الاية في تفسير الطبري. والقرطبي وابن كثير والسيوطي.

(12) في سيرة ابن هشام ط. مصر عام 1356 (4 / 275) أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في خطبته في حجة الوداع (... عليها، وإنّ كلَّ ربأ موضوع، ولكنْ لكُم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلِمُون ولا تُظلَمون، قضَى اللّه أنّه لا رِبا، وإنّ رِبَا عبّاس بن عبْد المطلب موضوعٌ كلهُ، وإن كلَّ دَمٍ كانَ في الجاهليّة موضوعٌ، وإنّ أوّلَ دمائكم أضعُ دَمُ ابن رَبيعَة بن الحرثِ بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليثٍ فقتلهُ هُذيل، فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفسير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتدي الاسلامي الشامل :: القسم الاسلامي العام-
انتقل الى: